مزاج الإنسان ليس ثابتًا دائمًا، فمن الطبيعي أن يمرّ الإنسان بلحظات من الفرح والحماس وأخرى من الحزن أو التعب النفسي، ولكن في بعض الحالات تصبح هذه التقلبات أكثر تكرارًا واستمرارًا، بحيث ينتقل الشخص بين فترات من النشاط المرتفع والمزاج الجيد نسبيًا، وفترات أخرى من الانخفاض المزاجي وفقدان الحماس، ويُعرف هذا النمط من التقلبات في الطب النفسي باسم “اضطراب المزاج الدوري”، وهو أحد اضطرابات المزاج التي تقع ضمن الطيف المرتبط باضطراب ثنائي القطب، ورغم أن أعراضه قد تبدو أقل حدة من بعض الاضطرابات النفسية الأخرى، فإن استمرارها لفترة طويلة قد يؤثر في حياة الشخص اليومية وعلاقاته وأدائه في العمل أو الدراسة. تابع قراءة هذه المقالة لتعرف أكثر ما هو هذا الاضطراب وما هي أعراضه وأسبابه وطرق التعامل معه.
ما هو اضطراب المزاج الدوري
اضطراب المزاج الدوري (Cyclothymic Disorder) هو أحد اضطرابات المزاج ويُعدّ شكلًا أخف من “اضطراب ثنائي القطب”، إذ يعاني الشخص من تقلبات مزاجية متكررة تتراوح بين نوبات من الهوس الخفيف ونوبات من الاكتئاب الخفيف، وعلى الرغم من أن هذه التقلبات لا تكون شديدة مثل تلك التي تحدث في اضطراب ثنائي القطب، فإنها قد تستمر لفترات طويلة وتؤثر في حياة الشخص اليومية.
تستمر هذه التغيرات المزاجية غالبًا لمدة عامين على الأقل لدى البالغين، مع فترات قصيرة فقط من الاستقرار المزاجي، وعادة لا تتجاوز هذه الفترات ثمانية أسابيع متتالية، وقد تظهر هذه التقلبات بشكل مفاجئ وفي أوقات مختلفة، مما قد يؤثر على العمل والعلاقات الاجتماعية.
وفي كثير من الحالات تكون الأعراض خفيفة نسبيًا، لذلك قد لا يدرك المصاب وجود مشكلة نفسية أو لا يسعى للحصول على علاج، خاصة إذا كانت فترات الهوس الخفيف تمنحه شعورًا مؤقتًا بالنشاط أو النشوة، ومع ذلك، فإن إهمال الحالة قد يزيد من خطر تطورها لاحقًا إلى اضطراب ثنائي القطب الكامل.
يظهر اضطراب المزاج الدوري غالبًا في فترة المراهقة أو بداية مرحلة البلوغ، ولكنه قد يحدث في أي عمر، لذلك من المهم استشارة الطبيب عند ملاحظة تقلبات مزاجية مستمرة تؤثر في الحياة اليومية.

ما هو اضطراب المزاج الدوري
الفرق بين اضطراب المزاج الدوري والاكتئاب
- اضطراب المزاج الدوري أحد اضطرابات المزاج التي تتميز بتقلبات مستمرة في الحالة المزاجية، إذ يمر الشخص بفترات من المزاج المرتفع قليلًا تُعرف بالهوس الخفيف، تتناوب مع فترات من أعراض الاكتئاب الخفيفة، وتكون هذه التقلبات غالبًا أقل شدة من تلك التي تحدث في اضطراب ثنائي القطب، ولكنها تستمر لفترة طويلة وقد تؤثر في الحياة اليومية.
- أما الاكتئاب فهو اضطراب نفسي يتميز باستمرار الشعور بالحزن وفقدان الاهتمام أو المتعة بالأنشطة اليومية، دون وجود فترات من ارتفاع المزاج أو النشاط الزائد.
أعراض اضطراب المزاج الدوري النفسية والجسدية
تتمثل أعراض هذا الاضطراب في تقلبات متكررة في الحالة المزاجية، إذ ينتقل الشخص بين فترات من الارتفاع في المزاج والطاقة (الهوس الخفيف)، وفترات من الانخفاض المزاجي وأعراض الاكتئاب، تكون هذه الأعراض غالبًا أقل شدة من تلك التي تظهر في اضطراب ثنائي القطب، ولكنها قد تؤثر في حياة الشخص اليومية بسبب عدم القدرة على التنبؤ بتغيرات المزاج، وقد تحدث هذه التقلبات خلال فترات قصيرة نسبيًا، وأحيانًا قد تتغير الحالة المزاجية خلال أيام قليلة أو حتى في اليوم نفسه.
أعراض الهوس الخفيف
تظهر خلال فترات ارتفاع المزاج والطاقة، وقد تشمل:
- شعور مفرط بالسعادة أو النشوة والتفاؤل الزائد.
- زيادة الثقة بالنفس وتقدير الذات.
- زيادة الطاقة والنشاط البدني.
- قلة الحاجة إلى النوم.
- كثرة الكلام وتسارع الأفكار.
- سهولة التشتت وصعوبة التركيز أحيانًا.
- زيادة الدافع لتحقيق الأهداف في العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية.
- الميل إلى اتخاذ قرارات متهورة أو الانخراط في سلوكيات محفوفة بالمخاطر، مثل: الإسراف في الإنفاق أو القرارات المتسرعة.
أعراض الاكتئاب
تظهر خلال فترات انخفاض المزاج، وقد تكون خفيفة إلى متوسطة مقارنة بالاكتئاب الشديد، وتشمل:
- الشعور بالحزن أو اليأس أو الفراغ.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة سابقًا.
- انخفاض تقدير الذات والشعور بالذنب أو انعدام القيمة.
- العزلة الاجتماعية.
- التعب أو فقدان الطاقة والشعور بالخمول.
- تغيرات في الشهية أو الوزن (زيادة أو نقصان).
- اضطرابات النوم مثل: الأرق أو النوم المفرط.
- صعوبة التركيز أو اتخاذ القرارات.
- في بعض الحالات قد تظهر أفكار مرتبطة بالموت أو الانتحار.
وعلى الرغم من أن كثيرًا من المصابين باضطراب المزاج الدوري يستطيعون ممارسة حياتهم اليومية، فإن التقلبات المزاجية غير المتوقعة قد تسبب صعوبات في العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية.
أسباب اضطراب المزاج الدوري
السبب الدقيق لهذا الاضطراب غير معروف حتى الآن، ولكن يعتقد الباحثون أنه ينتج غالبًا عن تفاعل مجموعة من العوامل البيولوجية والوراثية والبيئية، وتشير الدراسات إلى أن هذا الاضطراب قد يرتبط بما يلي:
- العوامل الوراثية: يميل اضطراب المزاج الدوري إلى الظهور بشكل أكبر لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي من اضطرابات المزاج، مثل: الاكتئاب أو اضطراب ثنائي القطب، مما يشير إلى وجود دور للعامل الوراثي في زيادة احتمالية الإصابة به.
- اختلافات في وظائف الدماغ: قد ترتبط الحالة بتغيرات في طريقة عمل الدماغ، أو في بعض التراكيب العصبية المسؤولة عن تنظيم المزاج والعواطف.
- العوامل البيئية والنفسية: قد تساهم بعض التجارب الصعبة في ظهور الاضطراب أو تحفيز أعراضه، مثل: التعرض لصدمة نفسية، أو الإصابة بمرض شديد، أو المرور بفترات طويلة من الضغط والتوتر.
وعادةً لا يكون سبب اضطراب المزاج الدوري عاملًا واحدًا فقط، بل مزيجًا من هذه العوامل التي قد تتفاعل معًا وتؤثر في استقرار المزاج لدى بعض الأشخاص.
مدة علاج اضطراب المزاج
تختلف مدة علاج اضطرابات المزاج من شخص لآخر حسب نوع الاضطراب وشدة الأعراض واستجابة المريض للعلاج، ففي بعض الحالات قد يستمر العلاج لعدة أشهر، بينما في اضطرابات مثل اضطراب المزاج الدوري قد يحتاج الشخص إلى علاج طويل المدى أو متابعة مستمرة للحفاظ على استقرار الحالة المزاجية ومنع عودة الأعراض.

مدة علاج اضطراب المزاج
طرق علاج اضطراب المزاج الدوري
يتطلب هذا النوع من الاضطراب علاجًا طويل الأمد، حتى خلال الفترات التي يشعر فيها الشخص بالتحسن، ويكون ذلك عادةً تحت إشراف طبيب أو أخصائي صحة نفسية، يهدف العلاج إلى تقليل شدة وتقلبات المزاج، والحد من تكرار النوبات، ومنع تطور الحالة إلى اضطراب ثنائي القطب، بالإضافة إلى مساعدة المريض على عيش حياة أكثر استقرارًا وتوازنًا.
تشمل طرق العلاج بشكل أساسي العلاج النفسي والأدوية، ويتم الجمع بينهما غالبًا للحصول على أفضل النتائج.
1- العلاج النفسي (العلاج بالكلام)
يُعد العلاج النفسي جزءًا أساسيًا من خطة العلاج، ويعتمد على الحوار مع أخصائي نفسي لمساعدة المريض على فهم أفكاره ومشاعره وسلوكياته وتغيير الأنماط غير الصحية منها، ويمكن أن يُقدَّم العلاج بشكل فردي أو جماعي أو عائلي.
ومن أبرز أنواع العلاج النفسي المستخدمة:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): وهو من أكثر الأساليب فعالية، إذ يساعد على التعرف على الأفكار والسلوكيات السلبية واستبدالها بأخرى أكثر إيجابية، كما يساهم في تحديد محفزات تقلبات المزاج وتعلم طرق التعامل مع التوتر والمواقف الضاغطة.
- العلاج الإيقاعي الاجتماعي والتفاعلي (IPSRT): يركز على تنظيم الروتين اليومي مثل: مواعيد النوم والاستيقاظ والوجبات والنشاط البدني، لأن استقرار الإيقاع اليومي قد يساعد في استقرار المزاج.
كما يساعد العلاج النفسي المرضى على تعلم كيفية التعرف على أعراض الاضطراب ومراقبتها، والتعامل مع الضغوط، وتحسين مهارات التواصل والتفاعل مع الآخرين.
2- الأدوية
لا توجد أدوية معتمدة خصيصًا لعلاج اضطراب المزاج الدوري من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، ولكن قد يصف الطبيب بعض الأدوية المستخدمة في علاج اضطراب ثنائي القطب للمساعدة في السيطرة على تقلبات المزاج ومنع نوبات الهوس الخفيف والاكتئاب.
ومن الأدوية التي قد تُستخدم في بعض الحالات مثبتات المزاج مثل: فالبروات، ولاموتريجين، أو الليثيوم، ويتم اختيارها حسب حالة المريض وتقييم الطبيب.
إلى جانب ذلك، قد يتضمن العلاج معالجة المشكلات المصاحبة مثل: تعاطي الكحول أو المواد الأخرى، لأنها قد تزيد من شدة الأعراض وتفاقم اضطراب المزاج.
في النهاية، يُظهِر اضطراب المزاج الدوري كيف يمكن لتقلبات المزاج المستمرة، حتى وإن كانت خفيفة نسبيًا، أن تؤثر في حياة الإنسان على المدى الطويل، فالتعامل مع هذا الاضطراب لا يقتصر على فهم الأعراض فقط، بل يشمل أيضًا إدراك العوامل التي قد تحفّز هذه التقلبات والعمل على إدارتها بطريقة صحية، ومع التشخيص الصحيح والالتزام بخطة العلاج المناسبة، يستطيع كثير من المصابين السيطرة على أعراض الاضطراب وتحسين جودة حياتهم بشكل ملحوظ، لذلك فإن الاهتمام بالصحة النفسية وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة يمثلان خطوة مهمة نحو تحقيق التوازن والاستقرار النفسي.
المصادر:
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *