هل سبق لك أن شاهدت طفلاً يعاني من نوبات غضب متكررة وشديدة، لا تتناسب مطلقًا مع الموقف، وتستمر لساعات أو أيام، وتحول المنزل إلى ساحة معركة دائمة؟ قد يصفها البعض بأنها مجرد “عناد” أو “سوء سلوك”، ولكن بالنسبة لبعض الأطفال وعائلاتهم، فإن الأمر أعمق بكثير، فقد يكون الطفل يعاني من حالة سريرية حقيقية تُعرف باسم اضطراب تقلبات المزاج التخريبية (DMDD)، وهو اضطراب نفسي حديث يؤثر على حياة الطفل من حيث: دراسته، وعلاقاته، وتطوره العاطفي. تابع قراءة هذه المقالة لتعرف أكثر عن هذا الاضطراب وأسبابه وطرق العلاج.
ما هو اضطراب تقلبات المزاج التخريبية؟
اضطراب تقلبات المزاج التخريبية (Disruptive Mood Dysregulation Disorder – DMDD) هو حالة نفسية تصيب الأطفال والمراهقين، تتميز بانفعال مستمر ونوبات غضب شديدة ومتكررة لا تتناسب مع الموقف، وعلى الرغم من أن تقلب المزاج أمر طبيعي لدى الأطفال، إلا أن هذا الاضطراب يكون أكثر حدة واستمرارًا، ويؤثر بشكل واضح على حياة الطفل اليومية في المنزل أو المدرسة ومع الأقران.
تبدأ أعراض الاضطراب عادةً قبل سن العاشرة، وتشمل نوبات غضب مفرطة في شدتها أو مدتها، مع مزاج غاضب أو سريع الانفعال معظم الوقت، وقد يواجه الأطفال المصابون صعوبات اجتماعية وسلوكية تستدعي تدخلًا علاجيًا متخصصًا، مثل المتابعة مع طبيب نفسي أو الحصول على دعم نفسي وسلوكي.
أسباب اضطراب تقلبات المزاج التخريبية عند الأطفال
رغم أن اضطراب (DMDD) يُعدّ تشخيصًا حديثًا نسبيًا، فإن أسبابه الدقيقة لا تزال غير مفهومة تمامًا، وتشير الأبحاث إلى أنه لا يوجد سبب واحد واضح، بل يُعتقد أنه ينشأ نتيجة تفاعل معقّد بين عوامل وراثية وبيولوجية وبيئية ونفسية.
أظهرت دراسات تصوير الدماغ (مثل: التصوير بالرنين المغناطيسي) وجود اختلافات في بنية ووظائف الدماغ لدى الأطفال المصابين بهذا الاضطراب، خصوصًا في المناطق المسؤولة عن تنظيم الانفعالات والمزاج والسلوك والنوم والشهية. كما يبدو أن النواقل العصبية -وهي المواد الكيميائية التي تنقل الإشارات بين خلايا الدماغ- تعمل بشكل غير متوازن، مما يؤثر في استقرار المزاج، وقد رصدت بعض الدراسات أيضًا اختلالًا في معالجة الإشارات الاجتماعية، مثل تعبيرات الوجه، لدى الأطفال المصابين بهذا الاضطراب.
إضافةً إلى العوامل البيولوجية، يمكن أن تساهم الضغوط النفسية أو الأحداث الصادمة أو فقدان شخص عزيز أو العلاقات الصعبة أو المواقف المجهِدة في ظهور أو تحفيز نوبات الغضب والانفعال، حتى وإن لم يكن هناك محفّز واضح أحيانًا.
أما من الناحية الوراثية، فتُظهر بعض الأبحاث أن اضطرابات المزاج تميل إلى الانتشار في العائلات، مما يشير إلى دور جيني محتمل، رغم أن الاضطراب قد يظهر أيضًا لدى أطفال لا يملكون تاريخًا عائليًا لمشكلات المزاج.
أعراض اضطراب تقلبات المزاج التخريبية
يُظهر الأطفال المصابون باضطراب (DMDD) أنماطًا متكررة من الانفعال والغضب تفوق ما يُتوقع من الأطفال في أعمارهم، وتؤثر بشكل واضح على حياتهم اليومية وعلاقاتهم بالآخرين، وتشمل الأعراض الرئيسية ما يلي:
- نوبات غضب حادة ومتكررة: قد تكون لفظية (مثل: الصراخ أو الجدال الشديد) أو سلوكية (مثل: الدفع أو الضرب أو تكسير الأشياء).
- تكرار النوبات: تحدث عادة ثلاث مرات أو أكثر في الأسبوع، وتكون غير متناسبة مع الموقف المثير للغضب.
- انفعال وغضب مستمران بين النوبات: حتى في الأوقات الهادئة، يبدو الطفل سريع الغضب أو مزاجه عكر معظم اليوم، كل يوم تقريبًا.
- عدم تناسب السلوك مع عمر الطفل: تكون ردود الفعل الغاضبة غير مناسبة لمرحلة النمو، كأن يتصرف طفل في الثانية عشرة بطريقة نوبات الغضب التي تحدث عادة عند الأطفال الصغار جدًا.
- تعدد البيئات المتأثرة: تظهر الأعراض في بيئتين على الأقل، مثل: المنزل والمدرسة أو أثناء التعامل مع الأقران، وتكون أكثر حدة في واحدة منها على الأقل.
- استمرارية الأعراض: يجب أن تستمر هذه الأعراض لمدة لا تقل عن 12 شهرًا، دون فترة خالية من الأعراض تتجاوز ثلاثة أشهر متتالية.
- العمر عند البداية: تبدأ الأعراض عادة قبل سن العاشرة، ولا يُشخَّص الاضطراب لأول مرة قبل سن السادسة أو بعد سن الثامنة عشرة.
- استبعاد الاضطرابات الأخرى: قبل التشخيص، يُستبعد أن تكون الأعراض ناتجة عن اضطرابات أخرى مثل: الاكتئاب الشديد، أو الهوس، أو اضطراب طيف التوحد، أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، أو اضطراب التحدي المعارض
كيف يؤثر اضطراب تقلبات المزاج التخريبية على الأطفال؟
يؤثر هذا الاضطراب بشكل كبير على حياة الطفل اليومية، إذ قد يواجه صعوبة في التكيف داخل المدرسة، وفي التعامل مع أفراد أسرته وأصدقائه، مما ينعكس سلبًا على آدائه الاجتماعي والدراسي، لذلك، يُنصح بمراجعة مختص في الصحة النفسية عند ملاحظة انفعالات شديدة أو نوبات غضب متكررة، إذ يمكن للتشخيص المبكر والعلاج النفسي المناسب أن يساعدا الطفل على التحكم في انفعالاته وتحسين سلوكه مع مرور الوقت.
كيفية علاج اضطراب تقلبات المزاج التخريبية عند الأطفال
يُعد اضطراب (DMDD) من التشخيصات الحديثة نسبيًا، لذلك ما زالت الأبحاث حول أفضل طرق علاجه محدودة، ومع ذلك، يعتمد الأطباء والمتخصصون على أساليب علاجية أثبتت فعاليتها في اضطرابات مشابهة، مثل: اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) واضطراب التحدي المعارض ويُعد التدخل المبكر ضروريًا للحد من تأثير الأعراض على حياة الطفل الاجتماعية والأسرية والمدرسية.

علاج اضطراب تقلبات المزاج التخريبية عند الأطفال
أولًا: العلاج النفسي (العلاج بالكلام)
يُعتبر العلاج النفسي الخيار الأول عادةً قبل اللجوء إلى الأدوية، ويهدف إلى مساعدة الطفل وأسرته في فهم المشاعر والانفعالات وإدارتها بطرق صحية، من أبرز أنواعه:
العلاج السلوكي المعرفي (CBT)
يساعد الطفل على التعرف إلى الأفكار التي تؤدي إلى الغضب والانفعال، وتعلّم طرق جديدة للتعامل مع المواقف الصعبة وضبط ردود الفعل، كما يُساهم في بناء مهارات لتحمّل الإحباط وتبنّي أنماط تفكير أكثر إيجابية.
العلاج السلوكي الجدلي (DBT)
وهو نوع متطور من العلاج السلوكي المعرفي يُستخدم مع الأطفال الذين يعانون من مشاعر قوية ومتقلبة، ويُساعدهم على تنظيم عواطفهم وتجنّب الانفعالات المفرطة.
تدريب الوالدين
يُركّز على تعليم الوالدين أساليب فعّالة للتعامل مع سلوكيات الطفل الانفعالية، مثل: توقّع المواقف المسببة للغضب، ووضع قواعد واضحة، والحفاظ على الثبات في المواقف التربوية، واستخدام التعزيز الإيجابي لتقليل السلوكيات غير المرغوبة، كما يُساعد التدريب في تحسين التواصل بين الأهل والطفل، مما ينعكس إيجابيًا على سلوكياته.
ثانيًا: العلاج الدوائي
حتى الآن، لا توجد أدوية معتمدة خصيصًا لعلاج اضطراب تقلبات المزاج التخريبية، ولكن الأطباء قد يصفون بعض الأدوية التي تُستخدم عادةً في اضطرابات أخرى مشابهة، تبعًا لشدة الأعراض واستجابة الطفل للعلاج النفسي، وتشمل ما يلي:
- المنشطات: تُستخدم أحيانًا لعلاج أعراض فرط النشاط والانفعال، وقد تُقلل من نوبات الغضب لدى بعض الأطفال.
- مضادات الاكتئاب: مثل سيتالوبرام، والتي قد تُستخدم وحدها أو مع المنشطات لتخفيف حدة الانفعال.
- مضادات الذهان غير التقليدية: تُستخدم في الحالات الشديدة التي يصعب السيطرة عليها بالعلاجات الأخرى، خاصة في حال وجود سلوك عدواني أو نوبات غضب متكررة.
- مثبتات المزاج: قد تُساعد في استقرار الحالة المزاجية والتقليل من التقلبات الحادة.
من المهم متابعة الطفل بشكل دوري أثناء تناول الأدوية، لأن جميعها قد تُسبب آثارًا جانبية تختلف من طفل لآخر، ويجب تعديل الجرعات أو تغيير العلاج عند الحاجة بالتنسيق مع الطبيب المختص.
بشكل عام، يُعد الجمع بين العلاج النفسي وتدريب الوالدين والمتابعة الطبية المنتظمة هو النهج الأكثر فاعلية لتحسين أعراض اضطراب تقلبات المزاج التخريبية ومساعدة الطفل على التكيّف وبناء علاقات اجتماعية صحية.
في الختام، يُعتبر اضطراب تقلبات المزاج التخريبية تحديًا حقيقيًا لكل من الطفل وأسرته، ولكنه ليس نهاية الطريق، فبفضل التشخيص المبكر، والعلاج النفسي والسلوكي المناسب، والدعم الأسري المستمر، يمكن للأطفال المصابين أن يتعلموا التحكم في انفعالاتهم والتعبير عن مشاعرهم بطرق أكثر توازنًا، ومن المهم أن يدرك الأهل أن الفهم والتقبل هما الخطوة الأولى نحو التغيير، وأن اللجوء إلى المختصين في الصحة النفسية يمنح الطفل فرصة حقيقية للنمو بثقة واستقرار نفسي أفضل.
المصادر:
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *