التعبير عن المشاعر قد يبدو سهلًا للبعض، ولكنه قد يكون تحديًا كبيرًا لآخرين، إذ إن هناك أشخاص يجدون صعوبة في وصف ما يشعرون به، أو حتى في التعرف على مشاعرهم بوضوح، هذه الحالة تُعرف باسم Alexithymia، وهي ليست مجرد شعور عابر، بل قد تؤثر على علاقاتهم بالآخرين وعلى صحتهم النفسية والجسدية. تابع قراءة هذه المقالة لتعرف أهم أسباب عدم القدرة على التعبير عن المشاعر، وما هي طرق العلاج المتاحة، كما ستتعرف أيضًا على بعض الطرق التي تساعد على التعرف على المشاعر والتعبير عنها، لتصبح حياتك العاطفية أكثر وضوحًا وراحة.
ما المقصود بعدم القدرة على التعبير عن المشاعر؟
صعوبة التعبير عن المشاعر أو تعرف أيضًا بـ Alexithymia، هي حالة يعاني فيها الشخص من صعوبة في الشعور بمشاعره أو تحديدها أو التعبير عنها بالكلمات، وهي لا تُعد تشخيصًا نفسيًا مستقلًا، ولكنها قد ترافق بعض الحالات مثل: الاكتئاب أو اضطراب طيف التوحد، دون أن يعني ذلك إصابة جميع المصابين بهذه الحالات بها.
وُصف هذا المفهوم لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي، ويعني حرفيًا صعوبة إيجاد الكلمات المناسبة لوصف المشاعر، إذ قد يجد المصابون بهذه الحالة صعوبة في التعبير عن المشاعر المتوقعة اجتماعيًا، أو في فهم مشاعرهم ومشاعر الآخرين، دون أن يكونوا عديمي الإحساس أو غير مبالين، بل قد تكون مشاعرهم أقل وضوحًا أو حدة.
تشمل أبرز سماتها: صعوبة التأمل الذاتي، والخلط بين المشاعر والأحاسيس الجسدية، وضعف التعبير العاطفي والتعاطف، مما قد يؤثر على العلاقات الاجتماعية، وتشير الدراسات إلى أن نحو 10% من الناس يعانون من هذه الحالة، وقد تكون أكثر شيوعًا لدى الذكور مقارنة بالإناث.

ما المقصود بعدم القدرة على التعبير عن المشاعر؟
لماذا يُعد التعبير العاطفي أمرًا مهمًا للصحة النفسية؟
يُعد التعبير العاطفي أمرًا أساسيًا للصحة النفسية إذ إنه يساعد على:
- تقليل القلق والضغط النفسي بإفراغ التوتر البيولوجي، إذ يساعد في إعادة توازن الجهاز العصبي.
- يساعد على منع حدوث بعض المشكلات الصحية الجسدية مثل: ارتفاع ضغط الدم الناتج عن كبت العواطف.
- يعزز الذكاء العاطفي والقدرة على اتخاذ قرارات أفضل من خلال فهم الاحتياجات الشخصية.
أسباب عدم القدرة على التعبير عن المشاعر
السبب الدقيق لصعوبة التعبير عن المشاعر (Alexithymia) لا يزال غير مفهوم بشكل كامل، إلا أن الأبحاث تشير إلى أنه ينتج غالبًا عن تداخل عدة عوامل: وراثية وعصبية ونفسية وبيئية.
العوامل الوراثية والبيئية
أشارت بعض الدراسات إلى وجود دور وراثي محتمل، إذ تزداد احتمالية الإصابة إذا وُجدت حالات مشابهة لدى أقارب من الدرجة الأولى، وفي الوقت نفسه، تلعب العوامل البيئية دورًا مهمًا، مثل: التعرض لصدمات نفسية في الطفولة، أو الإهمال العاطفي، أو الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى بعض الاضطرابات النفسية والجسدية.
إصابات الدماغ
ارتبطت صعوبة التعبير عن المشاعر بتلف أو إصابة في الفص الجزيري، خاصة الجزء الأمامي منه، وهو المسؤول عن الوعي بالمشاعر، والتعاطف، والمهارات الاجتماعية، وقد وُجد أن إصابات هذا الجزء من الدماغ ترتبط بمشاعر اللامبالاة والقلق وضعف فهم العواطف.
الارتباط بالتوحد
رغم شيوع الاعتقاد بأن التوحد يرتبط بنقص التعاطف، فإن الأبحاث تشير إلى أن المشكلة قد تكون في صعوبة التعبير عن المشاعر نفسها، إذ تُظهر الدراسات أن نسبة ملحوظة من الأشخاص ضمن طيف التوحد يعانون من هذه الصعوبة، وهي ما قد يُفسَّر خطأً على أنه نقص في التعاطف.
الاكتئاب واضطرابات نفسية أخرى
تظهر صعوبة التعبير عن المشاعر بشكل شائع لدى المصابين بالاكتئاب، خاصة الاكتئاب الشديد واكتئاب ما بعد الولادة، وكذلك في الفصام، وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث إلى نصف المصابين باضطرابات اكتئابية يعانون أيضًا من هذه المشكلة.
الصدمة النفسية المبكرة
التعرض لصدمات نفسية، خصوصًا في مراحل الطفولة المبكرة، قد يؤدي إلى تغيّرات في الدماغ تؤثر على القدرة على الشعور بالمشاعر أو تسميتها لاحقًا في الحياة.
حالات وأمراض عصبية مرتبطة
قد تظهر هذه الصعوبة أيضًا لدى المصابين ببعض الأمراض أو الإصابات العصبية، مثل:
- مرض الزهايمر.
- الصرع.
- مرض باركنسون.
- التصلب المتعدد.
- مرض هنتنغتون.
- السكتة الدماغية.
- إصابات الدماغ الرضّية.
- خلل التوتر العضلي.
الآثار المترتبة على عدم التعبير عن المشاعر
كبت المشاعر يؤدي إلى تراكمها، مما يسبب إرهاقًا عاطفيًا وانفجارات مفاجئة أو أعراض جسدية، وأيضًا قد يضعف المناعة ويزيد من خطر الاكتئاب والقلق، ويؤثر سلبًا على العلاقات بسبب نقص التواصل.
متى تكون المشكلة بحاجة إلى تدخل متخصص؟
قد تُسبب صعوبة التعبير عن المشاعر شعورًا بالضيق والإحباط للشخص نفسه ولمن حوله، إذا كنت تجد صعوبة في فهم مشاعرك أو التعبير عنها بالكلام، فقد يكون من المفيد استشارة طبيب أو مختص، إذ يمكنه مساعدتك على تعلّم طرق بسيطة لتحسين هذه المهارة المهمة في الحياة اليومية.
لا تُعد صعوبة التعبير عن المشاعر عادةً مرضًا نفسيًا بحد ذاتها، بل هي سمة يمكن التعايش معها وتعلّم مهارات للتعامل معها، خاصة إذا كانت مصاحبة لحالات أخرى مثل: الاكتئاب أو التوتر الشديد، ولكن إذا كانت هذه الصعوبة شديدة، أو بدأت تؤثر على حياتك اليومية، أو جاءت بعد إصابة في الرأس، أو مع مشكلات صحية أو نفسية أخرى، فمن الأفضل مراجعة الطبيب أو مقدّم الرعاية الصحية للحصول على الدعم والعلاج المناسب.

متى تكون المشكلة بحاجة إلى تدخل متخصص؟
علاج عدم القدرة على التعبير عن المشاعر
حتى الآن، لا يوجد علاج واحد محدد يناسب جميع من يعانون من صعوبة التعبير عن المشاعر، إذ يعتمد الأسلوب العلاجي المناسب على الحالة الصحية والنفسية لكل شخص، فمثلًا، إذا كانت المشكلة مصحوبة بالاكتئاب أو القلق، فقد تساعد الأدوية المخصّصة لهذه الحالات في تخفيف بعض الأعراض النفسية المرتبطة بها.
تلعب العلاجات النفسية دورًا مهمًا في تحسين الوعي بالمشاعر، إذ تتيح تمارين وأساليب تساعد الشخص على فهم مشاعره وتنظيمها بشكل أفضل، ومن أبرز خيارات العلاج المتاحة:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يساعد على فهم الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالمشاعر، وقد يكون مفيدًا لبعض الحالات.
- العلاج السلوكي الجدلي (DBT): يركز على تنظيم المشاعر وتنمية المهارات الاجتماعية، وقد يكون أكثر فاعلية لدى بعض الأشخاص، خاصة من يعانون من التوحد.
- العلاج النفسي أو العلاج بالكلام: يوفّر مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر ومحاولة الوصول إليها تدريجيًا.
- العلاج الجماعي: يتيح التفاعل مع الآخرين وتعلم طرق مختلفة للتعبير والتواصل العاطفي.
- اليقظة الذهنية (Mindfulness): قد تساعد على زيادة الوعي بالمشاعر وتنظيمها، رغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات.
- التدريب على الإدراك الداخلي: يركز على ملاحظة الإشارات الجسدية الداخلية، مثل: الجوع أو تسارع ضربات القلب، وربطها بالمشاعر.
نصائح للتعامل مع صعوبة التعبير عن المشاعر
- إحدى الخطوات المهمة هي البدء بملاحظة الاستجابات الجسدية، فمثلًا: راقب معدل ضربات قلبك في المواقف المختلفة وحاول ربطه بما تشعر به، مع الوقت والممارسة، قد يصبح من الأسهل التمييز بين مشاعر مثل: الخوف أو الغضب أو الحماس، ويمكن أن تساعدك ساعة اللياقة أو أجهزة قياس النبض في ذلك.
- كما تُعد “الكتابة التأملية أو اليومية” وسيلة مفيدة لتدوين ردود أفعالك الجسدية وأنماطك العاطفية، مما يعزز وعيك بذاتك.
- ومن المهم أيضًا التحلي بالصبر والتفهم مع النفس، فتعلّم التعرّف على المشاعر يحتاج إلى وقت، ولا تقل المشاعر السلبية أهمية عن الإيجابية، فالتعامل معها وقبولها بدلًا من مقاومتها يساهم في حياة أكثر توازنًا ورضا.
- لا تقلل من أهمية دعم الأسرة والأصدقاء، فالتواصل الواضح معهم واستعانتك بمعالج نفسي عند الحاجة قد يشكلان خطوة أساسية نحو فهم مشاعرك والتعبير عنها بشكل أفضل.
في النهاية، صعوبة التعبير عن المشاعر ليست علامة ضعف أو قلة إحساس، بل هي تحدٍ يمكن التعامل معه وفهمه. التعرف على أسباب عدم القدرة على التعبير عن المشاعر وفهم تأثيرها على حياتنا اليومية هو الخطوة الأولى نحو التغيير، من خلال الصبر، والملاحظة، والدعم النفسي، يمكن تعلم طرق جديدة للتعبير عن المشاعر وفهم الذات بشكل أفضل، مما يعزز الصحة النفسية ويقوي العلاقات مع الآخرين. تذكّر دائمًا أن كل خطوة صغيرة نحو وعي أكبر بمشاعرك هي خطوة نحو حياة أكثر توازنًا ورضا.
المصادر:
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *